أكثر الأسئلة التي طرحها البشر على الذكاء الاصطناعي خلال عام واحد

أكثر الأسئلة التي طرحها البشر على الذكاء الاصطناعي خلال عام واحد

أصبح تحليل الأسئلة والطلبات التي يطرحها البشر مرآة تعكس أولويات المجتمع العالمي، وتطلعاته، ومخاوفه العميقة من المستقبل الرقمي.

شهد عام 2025 تحولاً جذرياً في علاقة البشر بالذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد التعامل مع هذه التقنيات مجرد تجربة عابرة أو فضول تقني، بل تحول إلى ركيزة أساسية في الحياة اليومية والمهنية. ومع وصول عدد مستخدمي منصات مثل ChatGPT وGemini إلى أرقام مليارية، أصبح تحليل الأسئلة والطلبات التي يطرحها البشر مرآة تعكس أولويات المجتمع العالمي، وتطلعاته، ومخاوفه العميقة من المستقبل الرقمي.

لقد انتقل اهتمام المستخدمين من مجرد "اختبار ذكاء" الآلة إلى الاعتماد عليها في حل مشكلات معقدة، سواء في البرمجة، أو التحليل المالي، أو حتى التخطيط الشخصي. هذا التطور أدى إلى ظهور أنماط واضحة في نوعية الاستفسارات؛ فبينما كان التركيز سابقاً ينصب على المهام الإبداعية البسيطة، نجد أن عام 2025 تميز بطلبات أكثر عمقاً تتعلق بالاستشارات المهنية والبحث العلمي الدقيق.

إلى جانب الإنتاجية، برزت تساؤلات إنسانية ملحة تتعلق بالأخلاقيات والخصوصية، حيث بدأ البشر يتساءلون "بصوت عالٍ" أمام شاشاتهم عن مدى أمان بياناتهم ومستقبل وظائفهم في ظل التطور المتسارع للوكلاء المستقلين (AI Agents). هذه الحوارات الرقمية كشفت عن رغبة متزايدة في فهم "عقل" الآلة وكيفية التعايش معها في بيئة عمل هجينة تجمع بين الذكاء البشري والاصطناعي.

تعكس البيانات الصادرة عن كبرى مراكز الأبحاث التقنية العالمية أن لغة التخاطب مع الذكاء الاصطناعي أصبحت أكثر طولاً وتفصيلاً، حيث يميل المستخدمون الآن إلى تقديم سياقات كاملة بدلاً من كلمات مفتاحية مختصرة. هذا التغيير السلوكي يشير إلى نضج رقمي، حيث يدرك المستخدم أن جودة الإجابة تعتمد بشكل مباشر على دقة السؤال، مما جعل منصات الذكاء الاصطناعي أشبه "بشريك تفكير" أكثر منها مجرد محرك بحث.

يستعرض هذا المقال التحول الكبير في اهتمامات المستخدمين وتصدر قطاع البرمجيات لقائمة الطلبات، مع نمو ملحوظ في الاستشارات المالية والتاريخية. كما يوضح التقرير كيف أصبحت المهام المعقدة مثل تصحيح الأكواد والتحليل الاقتصادي هي المحرك الأساسي للاستخدام اليومي للمنصات الذكية.

ثورة البيانات: ماذا يسأل العالم في 2025؟

وفقاً لتقارير حديثة من Visual Capitalist وStanford HAI لعام 2025، تربع قطاع تطوير البرمجيات على عرش الأسئلة الأكثر طرحاً بنسبة بلغت 29%. ورغم انخفاض هذه النسبة عما كانت عليه في 2024 (حيث كانت 44%)، إلا أن هذا يشير إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح أداة أساسية للمبرمجين المحترفين والمبتدئين على حد سواء، ليس فقط لكتابة الأكواد بل لتصحيح الأخطاء المعقدة وبناء هياكل برمجية كاملة.

في المرتبة الثانية، جاءت الأسئلة المتعلقة بـ التاريخ والمجتمع بنسبة 15%، مما يعكس رغبة المستخدمين في استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة تعليمية وتثقيفية لفهم الأحداث العالمية الراهنة وتفسير السياقات التاريخية. والمثير للاهتمام هو القفزة النوعية في قطاع الاقتصاد والتمويل والضرائب، الذي ارتفعت حصته لتصل إلى 13%؛ حيث لجأ الناس بشكل مكثف للاستفسار عن تحركات الأسهم، استراتيجيات الاستثمار، وكيفية التعامل مع القوانين الضريبية المعقدة في بلدانهم.

يسلط هذا الجزء الضوء على الجانب الشخصي والعملي لاستخدامات الذكاء الاصطناعي، بدءاً من تنظيم الوقت وصولاً إلى الهواجس الوجودية حول الوظائف. ويكشف عن تزايد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي كمدرب شخصي ومخطط استراتيجي للحياة المهنية واليومية للمستخدمين.

بين الإنتاجية والمخاوف: الأسئلة الأكثر تكراراً

لم تكن الأسئلة دائماً أكاديمية أو تقنية؛ بل كانت هناك فئة ضخمة من الطلبات تتعلق بـ التخطيط الشخصي وإدارة الوقت، والتي مثلت نحو 27% من إجمالي الطلبات العملية. عبارات مثل "أفضل جدول يومي"، "كيفية تحقيق أهداف بعيدة المدى"، و"إدارة ساعات العمل الأسبوعية" كانت من بين الأكثر تكراراً. هذا التوجه يؤكد أن البشر بدأوا ينظرون إلى الذكاء الاصطناعي كـ "مدير أعمال شخصي" يساعدهم في ترتيب فوضى الحياة الحديثة.

على صعيد آخر، برزت مجموعة من الأسئلة "الإنسانية" التي طرحت بكثافة في اللحظات المتأخرة من الليل، وفقاً لتحليلات سلوك المستخدمين. كانت الأسئلة من قبيل: "هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل وظيفتي؟"، "كيف أحمي خصوصية أطفالي على الإنترنت؟"، و"هل يمكنني الوثوق بإجاباتك العلمية؟" هي الأكثر إلحاحاً. هذه التساؤلات تعكس حالة من الترقب والحذر، حيث يحاول البشر رسم حدود واضحة لعلاقتهم مع تقنية تتطور بسرعة تفوق قدرة القوانين والتشريعات على ملاحقتها.

خارطة اهتمامات البشر في التعامل مع AI (2025)

الفئة / نوع السؤالالنسبة المئويةالأمثلة الأكثر شيوعاً
تطوير البرمجيات والتقنية29%تصحيح الأخطاء (Debugging)، بناء تطبيقات، شرح الأكواد.
التخطيط والإنتاجية27%وضع جداول زمنية، إدارة الأهداف، تنظيم المهام اليومية.
التاريخ، المجتمع والثقافة15%ملخصات أحداث تاريخية، تحليل قضايا اجتماعية.
المال، الاقتصاد والضرائب13%استشارات الأسهم، شرح القوانين الضريبية، تحليل السوق.
صناعة المحتوى والإبداع9%كتابة منشورات التواصل، صياغة رسائل البريد، كتابة المقالات.
التعليم والأكاديميا7%حل المسائل الرياضية، شرح النظريات العلمية، المساعدة في الأبحاث.

نافذة على الوعي الرقمي الجديد

إن تحليل الأنماط السلوكية للبشر في تعاملهم مع الذكاء الاصطناعي خلال العام الماضي يبرهن على أننا لم نعد في مرحلة الانبهار الأولي بالتكنولوجيا، بل انتقلنا إلى مرحلة "التوظيف العملي". إن تصدر الأسئلة المتعلقة بالبرمجيات والتخطيط الشخصي يعكس رغبة عالمية في رفع الكفاءة الفردية، وتجاوز العقبات التقنية التي كانت تتطلب سابقاً جيوشاً من الخبراء. لقد أصبح الذكاء الاصطناعي يمثل "العقل الإضافي" الذي يستعين به المرء لتعويض نقص المهارات في جوانب معينة من حياته.

من جانب آخر، فإن تزايد التساؤلات حول الاقتصاد والضرائب والخصوصية يشي بوعي متزايد بمخاطر وفرص العصر الرقمي. لم يعد المستخدم يكتفي بالترفيه، بل أصبح يبحث عن قيمة مضافة حقيقية تمس أمنه المالي والشخصي. هذا التحول يضع مسؤولية كبرى على شركات التقنية لضمان دقة المعلومات وحماية البيانات، خاصة وأن الثقة في هذه الأنظمة بدأت تأخذ طابعاً مؤسسياً، حيث يتم الاعتماد عليها في اتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بالاستثمار والمسار المهني.

في نهاية المطاف، تظل الأسئلة التي نطرحها هي أعظم دليل على هويتنا كبشر؛ فنحن كائنات تسعى دائماً للفهم والتنظيم والتطور. وبينما تتغير الأدوات من محركات بحث تقليدية إلى وكلاء ذكاء اصطناعي تفاعليين، يبقى الفضول البشري هو المحرك الأول. إن التوازن بين الاستفادة من هذه القدرات الهائلة والحفاظ على التفكير النقدي والخصوصية سيكون هو التحدي الأكبر الذي سيواجهنا في الأعوام القادمة، بينما نواصل كتابة فصول قصتنا المشتركة مع الآلة.

المصادر (روابط للمراكز البحثية المذكورة):